Showing posts with label Nezar Qabbani. Show all posts
Showing posts with label Nezar Qabbani. Show all posts

أبجدية الياسمين-نزار قباني

تَعِبَ الكلامُ من الكلامِ...

- 1 -

لم يبقَ عندي ما أقولُ.
لم يبقَ عندي ما أقولُ.
تعبَ الكلاَمُ من الكَلامِ...
وماتَ في أحداق أعيُننَا النخيلُ...
شَفَتايَ من خَشَبٍ...
ووجهُكِ مُرْهَقٌ
والنَهْدُ... ما عَادَت تُدَقُّ لهُ الطُبولُ!!

- 2 -

لم يبقَ عندي ما أقولُ.
الثلجُ يسقطُ في حديقتنا
ويسقطُ من مشاعِرنا...
ويسقُط من اصابعنا...
ويسقطُ في الكُؤوسِ
وفي النبيذِ...
وفي السريرِ
فأينَ هوَ البديلُ؟!

- 3 -

لم يبقَ عندي ما أقولُ.
يَبسَت شرايينُ القصيدة...
وانتهى عصرُ الرتابةِ... والصبابةِ...
وانتهى العُمرُ الجميلُ!...

- 4 -

الشِعرُ غادرني
فلا بحرٌ بسيطٌ... أو خفيفٌ... أو طويلُ...
والحب غادرني
فلا قمرٌ...
ولا وترٌ...
ولا ظِلُّ ظليلُ...

- 5 -

لم يبقَ عندي ما أقولُ.
لم يبقَ في الميدان فُرسانٌ...
ولا بقيتْ خُيُولُ...
فالجِنسُ صعبٌ...
والوصُولُ الى كُنوزِكِ مُستحيلُ!!...
والنهدُ يقتُلُني...
ويزعمُ أنه الطرفُ القتيلُ!!
والموجُ يرفعني... ويرميني... كثورٍ هائجٍ...
فلأيِّ ناحيةٍ أميلُ؟؟
ماذا سيبقى من حصانِ الحُبِّ...
لو ماتَ الصهيلُ؟؟

- 6 -

لم يبقَ شيءٌ في يدي...
هربت عصافيرُ الطفولةِ من يدي...
هربت حبيباتي...
وذاكرتي...
وأَقلامي...
وأُوراقي...
وأقفرتِ الشواطئ... والحقولُ...

- 7 -

لم يبقَ عندي ما أقولُ
طارَ الحمامُ من النوافذِ هارباً...
والريش سافرَ... والهديلُ...
ضاعت رسائلنا القديمةُ كلها...
وتناثرت أوراقُها.
وتناثرت أشواقُها.
وتناثرت كلماتها الخضراءُ في كلّ الزوايا...
فبكى الغمامُ على رسائلنا...
كما بكتِ السنابلُ...
والجداولُ...
والسُهُولُ...

- 8 -

عيناكِ تاريخانِ من كحلٍ حجازيٍ...
ومن حُزنٍ رماديٍ...
ومن قلقٍ نسائيٍ...
فكيف يكونُ، سيّدتي الرحيلُ...
إنّي أفرُّ الى أمامي دائماً...
فهل ابتعادي عنكٍ، سيدتي وصُولُ؟...
ماذا سأفعلُ كيف أفكّ سلاسِلي؟
لا الشِعرُ يجديني... ولا تُجدي الكحولُ!!...

- 9 -

لم يبقَ شيءٌ في يدي.
كلُّ البُطولاتِ انتهت...
والعنترياتُ انتهت...
ومعاركُ الإعرابِ... والصرفِ... انتهت...
لا ياسمينُ الشام يعرفُني
ولا الأنهارُ. والصفصافُ... والأهدابُ... والخدُّ الأسيلُ...
وأنا أحدِّقُ في الفراغِ...
وفي يدَيكِ...
وفي أحاسيسي...
فيغمرُني الذُهولُ...

- 10 -

أرجوُ السماحَ...
إذا جلستُ على الأريكة مُحبطاً.
ومُشتتاً...
ومُبعثراً...
أرجُو سماحكِ...
إن نسيتُ بلاغتي...
لم يبقَ من لُغَةِ الهوى إلا القليلُ!!
(لندن 15 آذار (مارس) 1997)

طَعَنُوا العُرُوبةَ في الظلام بخنجرٍ

- 1 -

لا تَسأليني،
يا صديقةُ، مَنْ أنا؟
ما عُدْتُ أعرفُ...
- حينَ اكتُبُ -
ما أُريدُ...
رَحلتْ عباءَاتٌ غزَلتُ خُيُوطَها...
وتَمَلمَلَت منّي
العُيُون السُودُ...
لا الياسمينُ تجيئُني أخبارُهُ...
أمَّا البَريدُ...
فليسَ ثَمَّ بَريدُ...
لم يَبقَ في نَجدٍ... مكانٌ للهوى
أو في الرَصَافَةِ...
طائرٌ غِرِّيدُ...

- 2 -

العَالَمُ العربيُّ...
ضَيَّعَ شعرَهُ... وشُعُورهُ...
والكاتبُ العربيُّ...
بينَ حُرُوفِهِ... مَفْقُودُ!!

- 3 -

الشعرُ، في هذا الزمانِ...
فَضِيحةٌ...
والحُبُّ، في هذا الزمانِ...
شَهيدُ...

- 4 -

ما زالّ للشِعر القديمِ
نضارةٌ...
أما الجديدُ...
فما هناكَ جديدُ!!
لُغةٌ... بلا لُغةٍ...
وجوقُ ضفادعٍ...
وزوابعُ ورقيّةٌ
ورُعُودُ
هم يذبحونَ الشِعرَ...
مثل دجاجةٍ...
ويُزّورونَ...
وما هناكَ شهودُ!!

- 5 -

رحلَ المُغنون الكِبارُ
بشعرِنا...
نفي الفرزدقُ من عشيرتهِ
وفرَّ لبيدُ!!

- 6 -

هل أصبحَ المنفى
بديلَ بيُوتنا؟
وهل الحمامُ، مع الرحيلِ...
سعيدُ؟؟

- 7 -

الشعرُ... في المنفى الجميلِ...
تحرّرٌ...
والشِعرُ في الوطنِ الأصيلِ...
قيودُ!!...

- 8 -

هل لندنٌ...
للشعرِ، آخرُ خيمةٍ؟
هل ليلُ باريسٍ...
ومدريدٍ...
وبرلينٍ...
ولُوزانٍ...
يبدّدُ وحشتي؟
فتفيضُ من جسدي
الجداولُ...
والقصائدُ...
والورودُ؟؟...

- 9 -

لا تسأليني...
يا صديقةُ: أين تبتدئ الدموعُ...
وأين يبتدئ النشيدُ؟
أنا مركبٌ سكرانُ...
يُقلعُ دونَ أشرعةٍ
ويُبحرُ دون بُوصلةٍ...
ويدخُلُ في بحار الله مُنتحراً...
ويجهلُ ما أرادَ... وما يريدُ...

- 10 -

لا تسأليني عن مخازي أُمتي
ما عدتُ أعرفُ - حين أغضبُ -
ما أُريدُ...
وإذا السيوفَ تكسرت أنصالُها
فشجاعةُ الكلماتِ... ليس تُفيدُ...

- 11 -

لا تسأليني...
من هو المأمونُ... والمنصورُ؟
أو من كان مروانٌ؟
ومن كانَ الرشيدُ؟
أيامَ كان السيفُ مرفوعاً...
وكان الرأسُ مرفوعاً...
وصوتُ الله مسموعاً...
وكانت تملأ الدنيا...
الكتائبُ... والبنودُ...
واليومَ، تختـــجلُ العروبة من عروبتنا...
وتختجلُ الرجولةُ من رجولتنا...
ويختجلُ التهافتُ من تهافتنا...
ويلعننا هشامٌ... والوليدُ!

- 12 -

لا تسأليني...
مرةً أخرى... عن التاريخ...
فهو إشاعةُ عربيةٌ...
وقصاصةٌ صحفيةٌ...
وروايةٌ عبثية...
لا تسألي، إن السّؤَالَ مذلةٌ...
وكذا الجوابُ مذلةٌ...
نحنُ انقرضنا...
مثل أسماكِ بلا رأسٍ...
وما انقرضَ اليهودُ!!

- 13 -

أنا من بلادٍ...
كالطحينِ تناثرَت...
مِزَقاً...
فلا ربٌّ... ولا توحيدُ...
تغزو القبائلُ بعضها بشهيةٍ
كبرى...
وتفترسُ الحُدودَ... حدودُ!!

- 14 -

أنا من بلادٍ...
نكّست راياتها...
فكتابُها التوراةُ... والتلمودُ...

- 15 -

هل في أقاليم العروبةٍ كُلّها...
رجلٌ سَوِيُّ العقلِ...
يجرؤ ان يقول: أنا سعيدُ؟؟...

- 16 -

لا تسأليني من أنا؟
أنا ذلك الهِندي...
قد سرقوا مزارعهُ...
وقد سرقوا ثقافته...
وقد سرقوا حضارتهُ...
فلا بقيت عظامٌ منهُ...
أو بقِيت جُلودُ!!...

- 17 -

أنيابُ أمريكا
تغوصُ بلحمِنا...
والحِسُّ في أعماقنا مفقودُ...

- 18 -

نتقبلُ (الفيتو)...
ونلثمُ كفَّها...
ومتى يثورُ على السياطِ عبيدُ؟؟

- 19 -

والآن جاؤوا من وراء البحرِ...
حتى يشربُوا بترولنا...
ويبدّدوا أموالنا...
ويُلوّثوا أفكارنا...
ويُصدِّروا عُهراً الى أولادنا...
وكأننا عربٌ هنودُ!!

- 20 -

لا تسأليني. فالسؤالُ إهانةٌ.
نيران اسرائيل تحرقُ أهلنا...
وبلادنا... وتُراثنا الباقي...
ونحنُ جليدُ!!

- 21 -

لا تسأليني، يا صديقةُ، ما أرى.
فالليلُ أعمى...
والصباحُ بعيدُ...
طعنوا العروبةَ في الظلام بخنجرٍ
فإذا هُمُ... بين اليهودِ يهودُ!!
(لندن 1 نيسان (ابريل) 97)



أنا قصِيدةُ حُبٍّ...

- 1 -

أنا مسؤولٌ... عن كلِّ قصيدةِ حُبٍّ كَتَبتُها...
ابتداءً من الوصول الى جَبَل طارقْ...
وانتهاءً بمغادرة (قصر الحمراءْ)...
مسؤولٌ عن سُيُوف (بني الأحمر)...
واحداً... واحداً...
وعن تنهُّداتهمْ... واحداً... واحداً...

- 2 -

أنا مسؤولٌُ عن هذا الوطن الجميلْ...
الذي رسَمْتُهُ مرةً بانتصاراتي...
ومرةً... بفتوحاتي... وأوسمتي...
ومرةً... بانكساراتي... ودُمُوعي...

- 3 -

أنا مئذنةُ حزينةٌ...
من مآذنِ قُرْطبهْ...
تُريدُ أن تعُودَ الى دمشقْ...

- 4 -

أنا تراثُ أمي... من الياسمينْ والخبّيزَهْ...
لا يزالُ ينكُشُ تحت ثيابي!!

- 5 -

أنا قصيدةُ حُبٍّ
كانتْ سَبَباً...
في سُقُوط العَرَب من الأندلسْ!!

- 6 -

أنا أوَّلُ البكاءْ...
وآخرُ البكاءْ...

- 7 -

أنا مجموعة من الأحزان...
يستعملها الرُهْبان لصنع شُمُوعهْم...

- 8 -

أنا في النهارْ...
سَيْفٌ من سُيُوف عبدالرحمن الداخِلْ...
وفي الليل، مَرْوَحةٌ من الريشْ...
في يد إحدى راقصات (الفلامِنْكُو)...

- 9 -

أنا موشَّحٌ أندلسيّ...
لم تكتُبْ ساحاتُ (الحَمْراء) أجملَ منه...
قيثارةٌ... تنتحِبُ
على صدر (غارثيا لُوركَا)...

- 10 -

أنا ياسمينةٌ تتسَّلَقُ صباحاً
على عباءة (أبي عبدالله الصغيْر)!!

- 11 -

أنا مجموعةٌ من المواويلْ...
تستعملُها جبالُ لبنانْ...
للتعبير عن بكائها...

- 12 -

أنا كلُّ أوجاع العالَمْ...
من جُولْييت غريكو...
الى بابلو نيرُودّا...

- 13 -

على شفتيكِ
أيتها الأندلسيّة...
أبحثُ عن خط الاستواءْ
وعن غابات إفريقيا...
وعن حبّ الهالْ...
والفلفلِ الأسودْ...
ونبيذ مالاغا...
وزرقة القلوع
على شاطئ (ماربيا)...

- 14 -

أنا مسؤولٌ...
عن (زمان الوصلِ بالأندلُسِ)...
وعن غَزَلياتِ (العبّاس بن الأحتَفْ...)
وعن كلّ وردةٍ حمراءْ...
تضعُها (الولاّدةُ بنتُ المستكْفي)...
على جبينها...

- 15 -

أنا مجموعةٌ من الدموْع...
تسبحُ من بلاد الشعرْ...
ولا يعرفُ أحدٌ...
في أيّ مكانٍ على شاطئ عُيُوني...
تصُبّ...

(سبتمبر 1997)

لو

- 1 -

لو أنكِ جئتِ... قبيل ثلاثين عاماً
الى موعدي المنتظَرْ...
لكانَ تغير وجهُ القَضَاءِ...
ووجهُ القَدَرْ...

- 2 -

لو أنكِ جئتِ... قبيل ثلاثينَ قرناً
لطرّزتُ بالكلماتِ يدْيَكِ...
وبللتُ بالماء وجهَ القَمرْ...

- 3 -

لو انكِ كنتِ حبيبةَ قلبي...
قبيل ثلاثين قرناً...
لزادت مياهُ البحورْ...
وزادَ أخضرارُ الشَجَرْ...

- 4 -

لو أنكِ كنتِ رفيقةَ دربي...
لفجرَّتُ من شفتيكِ الشُموسَ...
وأخرجتُ من بين نهديكِ...
ألفَ قَمرْ...

- 5 -

لو أنكِ كنتِ حبيبةَ قلبي
قُبيلَ ثلاثينَ قرناً...
تغيرَّ تاريخُ هذا البَلدْ...
فقبلكِ... ليس هناكَ نساءٌ.
وبعدَكِ...
ليس هناكَ أحدْ!!...

(أكتوبر 1997)

مُرَبّعات...

- 1 -

أنا مُرَّبعٌ...
يبحثُ منذُ القرنِ الأولْ
عن بقية أضلاعِهْ...
يبحثُ منذ بدايات التكوينْ...
عن صورة وجهِهْ...
يبحثُ منذُ بداياتِ النساءْ...
عن اسمِ امرأتِهِ الضائعةْ!!...

- 2 -

أنا المسيحُ عيسى بنُ مريمْ...
أبحثُ منذ تاريخ صَلبي
عن دمي... وجراحي... ومساميري!!

- 3 -

أنا في مربَّع، إسمُهُ أنتِ.
فلا أستطيعُ الهُروبَ الى امرأةٍ ثانيهْ...
أنا بين نهديكِ في مأزقٍ...
ولا أستطيعُ الخلاصَ من الهاويَهْ!!

- 4 -

أنا في مربَّعٍ اسمُهُ الشعرْ...
فلا أستطيعُ الذهابَ شمالاً...
ولا أستطيعُ الذهاب جنوباً...
وأعرف أنّي سأُقتَلُ بالضربة القاضية...

- 5 -

أنا شاعرٌ عربيّ... يمُوتُ...
على خنجر العشْق يوماً...
ويوماً... على خنجر القافية.

- 6 -

أنا في مربَّعٍِ، اسمهُ الأنوثة...
فأيُّ الجميلات تُفرجُ عنّي...
وليس هنالكَ لبنَى... ولا راويَهْ...

- 7 -

أنا في مربَّعٍ... اسمُهُ القصيدَة...
في أساورها تلبُسِني...
في خواتمها تحبسني...
في ضفائرها تحاصرني...
في قدَميْها تزيّنُ بي...
كخلاخيل الحرَّية!!

- 8 -

أنا في مربَّعٍ مفتوحٍ عليكْ...
من الجهات الأربَعْ...
من الشعر الأسود... الى الحَلَقِ الفضيّ
ومن الأصابع المرصعة بالنُجومْ...
الى الشامات التي لا عدَدَ لها...

- 9 -

أنا مربعٌ أخضرُ... في بحر عينيكِ...
وما زلتُ أُبحرُ...
ما زلتُ أغرقُ...
ما زلتُ أطفو... وأرسو...
وأجهلُ في أيّ وقتٍ...
يكونُ وصُولي...
الى رمل صدرِكِ... أيتها الغاليهْ...

- 10 -

أنا في مربعٍ... اسمُهُ الكتابة...
ولا أستطيعُ التحرّر منكِ...
ولا أستطيعُ التحررُ مني...
فأينَ يداكِ...
تُضيئان أياميَ الآتيةْ...

- 11 -

أحبكِ...
يا مَنْ ألملِمُ من شفتَيها
بقيّةَ أحلاميَ الباقيهْ...

- 12 -

أحبُّك...
يا ألفَ امرأةٍ في ثيابي...
ويا ألفَ بيتٍ من الشِعر...
يملأُ أوراقيَهْ...

(مارس 1998)

القصيدة الأخيرة(مقاطع)

ما تُراني أقولُ ليلةَ عُرسي؟
جَف وردُ الهوى، ونامِ السامر.
ما تُراني أقولُ يا أصدقائي
في زمانٍ تموتُ فيه المشاعر؟
لم يعد في فمي قصيدةُ حبٍ
سقطَ القلبُ تحت وقع الحوافِرْ
ألف شكرٍ لكم... فأنتم شراعي
وبحاري، والغالياتُ الجواهرْ
فأنا منكُمُ سرقتُ الأحاسيس
وعنكم أخذتُ لونَ المحاجِر
أنتم المبدعُونَ أجمل شِعري
وبغير الشعوب، ما طار طائر
فعلى صوتكُم أُدوزِنُ شعري
وبأعراسِكم أزفُّ البشائرْ.

* * *

أنزفُ الشعر، منذ خمسينَ عاماً
ليس سهلاً أن يصبحَ المرءُ شاعر
هذه مِهنةُ المجانين في الأرضِ
وطعمُ الجُنون طعمٌ باهِر...
أنزِفُ العشقَ والنساءَ بصمتٍ
هل لهذا الحزنِ الدمشقي آخر؟
لستُ أشكو قصيدةً ذبحتني
قدري أن أموت فوق الدفاتر
بي شيءٌ من عزة المُتنبي
وبقايا من نار مجنون عامرْ...
لم يكن دائماً فراشي حريراً
فلكم نمت فوق حدِّ الخناجرْ
فخذُوا شُهرتي التي أرهقتني
والإذاعاتِ كلَّها... والمنابرْ
وامنحوني صدراً أنامُ عليهِ
واصلُبوني على سواد الضفائر...

* * *

أنا من أُمّةٍ على شكل ناي
هي دوماً حُبلى بمليون شاعرْ
كلُّ أطفالنا يقولونَ شعراً
والعصافيرُ، والرُبى، والبيادرْ.
ما بنا حاجةٌ لمليونِ ديكٍ
نحنُ في حاجةٍ لمليونِ ثائرْ
تُطلِعُ الأرضُ شاعراً كلَّ قرنٍ
لا تباعُ الأشعارُ مثلَ السجائر...
هل سعِدنا بشعرنا أم شقينا
أم غفونا على رنين القياثِر؟
فانتصرنا يوماً ببحرٍ طويلٍ
وانهزمنا يوماً ببحر الوافرْ

(مارس 1998)

Nezar Qabbani-قارئة الفنجان

جَلَسَت والخوفُ بعينيها

تتأمَّلُ فنجاني المقلوب

قالت:

يا ولدي.. لا تَحزَن

فالحُبُّ عَليكَ هوَ المكتوب

يا ولدي،

قد ماتَ شهيداً

من ماتَ على دينِ المحبوب

فنجانك دنيا مرعبةٌ

وحياتُكَ أسفارٌ وحروب..

ستُحِبُّ كثيراً يا ولدي..

وتموتُ كثيراً يا ولدي

وستعشقُ كُلَّ نساءِ الأرض..

وتَرجِعُ كالملكِ المغلوب

بحياتك يا ولدي امرأةٌ

عيناها، سبحانَ المعبود

فمُها مرسومٌ كالعنقود

ضحكتُها موسيقى و ورود

لكنَّ سماءكَ ممطرةٌ..

وطريقكَ مسدودٌ.. مسدود

فحبيبةُ قلبكَ.. يا ولدي

نائمةٌ في قصرٍ مرصود

والقصرُ كبيرٌ يا ولدي

وكلابٌ تحرسُهُ.. وجنود

وأميرةُ قلبكَ نائمةٌ..

من يدخُلُ حُجرتها مفقود..

من يطلبُ يَدَها..

من يَدنو من سورِ حديقتها.. مفقود

من حاولَ فكَّ ضفائرها..

يا ولدي..

مفقودٌ.. مفقود

بصَّرتُ.. ونجَّمت كثيراً

لكنّي.. لم أقرأ أبداً

فنجاناً يشبهُ فنجانك

لم أعرف أبداً يا ولدي..

أحزاناً تشبهُ أحزانك

مقدُورُكَ.. أن تمشي أبداً

في الحُبِّ .. على حدِّ الخنجر

وتَظلَّ وحيداً كالأصداف

وتظلَّ حزيناً كالصفصاف

مقدوركَ أن تمضي أبداً..

في بحرِ الحُبِّ بغيرِ قُلوع

وتُحبُّ ملايينَ المَرَّاتِ...

وترجعُ كالملكِ المخلوع

Nezar Qabbani-حين نغدو عاشقينا

يا الهي:
عندما نعشق ماذا يعترينا ..؟
ما الذي يحدث في داخلنا ..؟
ما الذي يكسر فينا ..؟
كيف نرتد إلي طور الطفولة
كيف تغدو قطرة الماء محيطاً
ويصير النخل أعلى
ومياه البحر أحلى
وتصير الشمس سواراً من الماس ثمينا
حين نغدو عاشقينا ...
**********
يا الهي :
ما يسمى ذلك الحب الذي ظل قروناً
يقتل القتلى .. ويحتل الحصونا
ويذل الأقوياء القادرينا
ويذيب البسطاء الطيبينا
كيف يغدو شعر من نهوى سريراً من ذهب ..؟
وفم المحبوب شهداً وعنب
كيف نمشي وسط النهار
ونلتذ بألوان الذهب
كيف نغدوا - عندما نعشق - أسرى
بعدما كنا ملوكاً فاتحينا
ما نسمي ذلك الحب الذي يدخل كالمسكين فينا ..؟
أ نسميه صداعاً..؟
أم نسميه جنوناً..؟
كيف يغدو الكون في ثانية
واحة خضراء أو ركناً حنونا
حين نغدو عاشقينا ...
****************
يا الهي :
ما الذي يحدث في منطقنا ..؟
ما الذي يحدث فينا ..؟
كيف تغدو لحظة الشوق سنينا
ويصير الوهم في الحب يقينا
كيف تختل أسابيع السنة ..؟
كيف يلغي الحب كل الأزمنة ..؟
فيصير الصيف يأتي في الشتاء
ويصير الورد ينموا في بساتين السماء
حين نغدو عاشقينا ...
************
يا الهي :
كيف نستسلم للحب , ونعطيه مفاتيح الأمان
واليه نحمل الشمع وعطر الزعفران
كيف ننهار على أقدامه مستغربينا
كيف نسعى لحماه .. قابلينا
كل ما يفعل فينا
كل ما يفعل فينا
************
يا إلهي .. عندما يضربنا الحب على غير انتظار..
ما الذي يذهب منا ؟
ما الذي يولد فينا ؟
كيف نغدو كالتلاميذ الصغار ..
أبرياء ساذجينا ...
ولماذا عندما تضحك محبوبتنا ..
تمطر الدنيا علينا ياسمينا ..
ولماذا عندما تبكي على ركبتنا ..
يصبح العالم عصفوراً حزينا ..؟
يا الهي..
نزار قباني

إن يسألونك عني

إن يسألونك عني

يوما، فلا تفكري كثيرا

قولي لهم بكل كبرياء

((... يحبني...يحبني كثيرا ))

صغيرتي : إن عاتبوك يوما

كيف قصصت شعرك الحريرا

وكيف حطمت إناء طيب

من بعدما ربيته شهورا

وكان مثل الصيف في بلادي

يوزع الظلال والعبيرا

قولي لهم: ((أنا قصصت شعري

((... لان من أحبه يحبه قصيرا

أميرتي : إذا معا رقصنا

على الشموع لحننا الأثيرا

وحول البيان في ثوان

وجودنا أشعة ونورا

وظنك الجميع في ذراعي

فراشة تهم أن تطيرا

فواصلي رقصك في هدوء

... واتخذي من أضلعي سريرا

وتمتمي بكل كبرياء:

((... يحبني... يحبني كثيرا ))

حبيبتيي: إن أخبروك أني

لا أملك العبيدا والقصورا

وليس في يدي عقد ماس

به أحيط جيدك الصغيرا

قولي لهم بكل عنفوان

يا حبي الأول والأخيرا

قولي لهم: ((... كفاني

((... بأنه يحبني كثيرا

حبيبتي يا ألف يا حبيبتي

حبي لعينيك أنا كبير

... وسوف يبقى دائما كبيرا

تسألني حبيبتي



ما دمتِ يا عصفورتي الخضراء
حبيبتي
إذن .. فإن الله في السماء

: تسألني حبيبتي
ما الفرق ما بيني وما بين السما ؟
الفرق ما بينكما
أنك إن ضحكت يا حبيبتي
أنسى السما

الحب يا حبيبتي
قصيدة جميلة مكتوبة على القمر
الحب مرسوم على جميع أوراق الشجر
. . الحب منقوش على
ريش العصافير ، وحبات المطر
لكن أي امرأة في بلدي
إذا أحبت رجلا
ترمى بخمسين حجر

حين أنا سقطت في الحب
. . تغيرت
تغيرت مملكة الرب
صار الدجى ينام في معطفي
وتشرق الشمس من الغرب

يا رب قلبي لم يعد كافيا
لأن من أحبها .. تعادل الدنيا
فضع بصدري واحدا غيره
يكون في مساحة الدنيا

ما زلت تسألني عن عيد ميلادي
سجل لديك إذن .. ما أنت تجهله
تاريخ حبك لي .. تاريخ ميلادي


لو خرج المارد من قمقمه
وقال لي : لبيك
دقيقة واحدة لديك
تختار فيها كل ما تريده
من قطع الياقوت والزمرد
لاخترت عينَيْكِ .. بلا تردد

ذات العينين السوداوين
ذات العينين الصاحيتين الممطرتين
لا أطلب أبدا من ربي
إلا شيئين
أن يحفظ هاتين العينين
ويزيد بأيامي يومين
كي أكتب شعرا
في هاتين الؤلؤتين

لو كنت يا صديقتي
بمستوى جنوني
لرميت ما عليك من جواهر
وبعت ما لديك من أساور
و نمت في عيوني

أشكوك للسماء
أشكوك للسماء
كيف استطعتِ ، كيف ، أن تختصري
جميع ما في الكون من نساء


لأن كلام القواميس مات
لأن كلام المكاتيب مات
لأن كلام الروايات مات
أريد اكتشاف طريقة عشق
أحبك فيها .. بلا كلمات


أنا عنك ما أخبرتهم .. لكنهم
لمحوك تغتسلين في أحداقي
أنا عنك ما كلمتهم .. لكنهم
قرأوك في حبري وفي أوراقي
للحب رائحة .. وليس بوسعه
أن لا تفوح .. مزارع الدراق

أكره أن أحب مثل الناس
أكره أن أكتب مثل الناس
أود لو كان فمي كنيسة
. . وأحرفي أجراس


ذوبت في غرامك الأقلام
. . من أزرق .. وأحمر .. وأخضر
حتى انتهى الكلام
علقت حبي لك في أساور الحمام
ولم أكن أعرف يا حبيبتي
أن الهوى يطير كالحمام

عدي على أصابع اليدين ، ما يأتي
فأولا : حبيبتي أنت
وثانيا : حبيبتي أنت
وثالثا : حبيبتي أنت
ورابعا وخامسا
وسادسا وسابعا
وثامنا وتاسعا
وعاشرا . . حبيبتي أنت


حبك يا عميقة العينين
تطرف
تصوف
عبادة
حبك مثل الموت والولادة
صعب بأن يعاد مرتين

عشرين ألف امرأة أحببت
عشرين ألف امرأة جربت
وعندما التقيت فيك يا حبيبتي
شعرت أني الآن قد بدأت


لقد حجزت غرفة لاثنين في بيت القمر
نقضي بها نهاية الأسبوع يا حبيبتي
فنادق العالم لا تعجبني
الفندق الذي أحب أن أسكنه هو القمر
لكنهم هنالك يا حبيبتي
لا يقبلون زائرا يأتي بغير امرأة
فهل تجيئين معي
يا قمري . . إلى القمر


لن تهربي مني فإني رجل مقدرعليك
لن تخلصي مني . . فإن الله قد أرسلني إليك
فمرة .. أطلع من أرنبتي أذنيك
ومرة أطلع من أساور الفيروز في يديك
وحين يأتي الصيف يا حبيبتي
أسبح كالأسماك في بُحْرَتَيْ عينيك


لو كنت تذكرين كل كلمة
لفظتها في فترة العامين
لو أفتح الرسائل الألف .. التي
كتبت في عامين كاملين
كنا بآفاق الهوى
طرنا حمامتين
وأصبح الخاتم في
إصبعكِ الأيسر . . خاتمين


لماذا .. لماذا .. منذ صرت حبيبتي
يضيء مدادي .. والدفاتر تعشب
تغيرت الأشياء منذ عشقتني
وأصبحت كالأطفال .. بالشمس ألعب
ولستُ نبياً مُرسلاً غير أنني
أصير نبياً .. عندما عنكِ أكتبُ ..

.........................


محفورة أنت على وجه يدي
كأٍسطر كوفية
على جدار مسجد
محفورة في خشب الكرسي.. ياحبيبتي
وفي ذراع المقعد
وكلما حاولت أن تبتعدي
دقيقة واحدة
أراك في جوف يدي


لا تحزني
إن هبط الرواد في أرض القمر
فسوف تبقين بعيني دائما
أحلى قمر


حين أكون عاشقا
أشعر أني ملك الزمان
أمتلك الأرض وما عليها
وأدخل الشمس على حصاني

حين أكون عاشقا
أجعل شاه الفرس من رعيتي
وأخضع الصين لصولجاني
وأنقل البحار من مكانها
ولو أردت أوقف الثواني

حين أكون عاشقا
أصبح ضوءا سائلا
لاتستطيع العين أن تراني
وتصبح الأشعار في دفاتري
حقول ميموزا وأقحوان

حين أكون عاشقا
تنفجر المياه من أصابعي
وينبت العشب على لساني
حين أكون عاشقا
أغدو زمانا خارج الزمان


إني أحبك عندما تبكينا
وأحب وجهك غائما وحزينا
الحزن يصهرنا معا ويذيبنا
من حيث لا أدري ولا تدرينا
تلك الدموع الهاميات أحبها
وأحب خلف سقوطها تشرينا
بعض النساء وجوههن جميلة
وتصير أجمل .. عندما يبكينا

................

أخطأت يا صديقتي بفهمي
فما أعاني عقدة
ولا أنا أُذيب في غرائزي وحلمي
لكن كل امرأة أحببتها
أردت أن تكون لي
حبيبتي وأمي
من كل قلبي أشتهي
لو تصبحين أمي


جميع ما قالوه عني صحيح
جميع ماقالوه عن سمعتي
في العشق والنساء قول صحيح
لكنهم لم يعرفوا أنني
أنزف في حبك مثل المسيح


يحدث أحيانا أن أبكي
مثل الأطفال بلا سبب
يحدث أن أسأم من عينيك الطيبتين
. . بلا سبب
يحدث أن أتعب من كلماتي
من أوراق من كتبي
يحدث أن أتعب من تعبي


عيناك مثل الليلة الماطرة
مراكبي غارقة فيها
كتابتي منسية فيها
إن المرايا ما لها ذاكره

كتبت فوق الريح
إسم التي أحبها
كتبت فوق الماء
لم أدر أن الريح
لا تحسن الإصغاء
لم أدر أن الماء
لا يحفظ الأسماء


ما زلتِ يا مسافره
مازلت بعد السنة العاشره
مزروعه
كالرمح في الخاصره
كرمال هذا الوجه والعينين
قد زارنا الربيع هذا العام مرتين
وزارنا النبيُ مرتين


أهطل في عينيك كالسحابه
أحمل في حقائبي إليهما
كنزا من الأحزان والكآبه
أحمل ألف جدول
وألف ألف غابه
وأحمل التاريخ تحت معطفي
وأحرف الكتابه

أروع ما في حبنا أنه
ليس له عقل ولا منطق
أجمل ما في حبنا أنه
يمشي على الماء ولا يغرق


لا تقلقي . يا حلوة الحلوات
ما دمت في شعري وفي كلماتي
قد تكبرين مع السنين .. وإنما
لن تكبرين أبدا .. على صفحاتي


ليس يكفيك أن تكوني جميله
كان لابد من مرورك يوما
بذراعيَّ
كي تصيري جميله



وكلما سافرت في عينيك ياحبيبتي
أحس أني راكب سجادة سحريه
فغيمة وردية ترفعني
وبعدها .. تأتي البنفسجيه
أدور في عينيك يا حبيبتي
أدور مثل الكرة الأرضيه

كم تشبهين السمكه
سريعة في الحب .. مثل السمكه
قتلتِ ألف امرأة .. في داخلي
وصرت أنت الملكه

إني رسول الحب
أحمل للنساء مفاجآتي
...............



أجمل مافيك هو الجنون
أجمل ما فيك ، إذا سمحت
خروج نهديك على القانون
تعري فمنذ زمان طويل
على الأرض لم تسقط المعجزات
تعري .. تعري
أنا أخرس
وجسمك يعرف كل اللغات

......................


ضعي أظافرك الحمراء ..في عنقي
ولا تكوني معي شاة .. ولا حملا
وقاوميني بما أوتيت من حيل
إذا أتيتك كالبركان مشتعلا
أحلى الشفاه التي تعصي .. وأسوأها
تلك الشفاه التي دوما تقول : بلى

كم تغيرت بين عام وعام
كان همي أن تخلعي كل شيء
وتظلي كغابة من رخام
وأنا اليوم لا أريدك إلا
أن تكوني .. إشارة استفهام



وكلما انفصلتُ عن واحدة
أقول في سذاجة
سوف تكون المرأة الأخيره
والمرة الأخيره
وبعدها سقطت في الغرام ألف مرة
ومت ألف مرة
ولم أزل أقول
" تلك المرة الأخيره "


عبثا ما أكتب سيدتي
إحساسي أكبر من لغتي
وشعوري نحوك يتخطى
صوتي .. يتخطى حنجرتي
عبثا ما أكتب .. ما دامت
كلماتي .. أوسع من شفتي
أكرهها كل كتاباتي
مشكلتي أنكِ مشكلتي


لأن حبي لك فوق مستوى الكلام
قررت أن أسكت .. . . والسلام

١٠ سنوات علي صمت نزار قباني

١٠ سنوات علي صمت نزار قباني
--------------------------
--------------
المصري اليوم ٣٠/٤/٢٠٠٨

هل بمقدور المرء أن يحب دون أن يعشق كلمات الشاعر الراحل نزار قباني.. هل بإمكان القلب - أي قلب - أن يدق علي إيقاع غير إيقاع هذا الشاعر الذي رسم للحب ملامح جديدة لم نكن نعرفها.. هل نستطيع دراسة القصيدة العربية الحديثة دون التوقف طويلاً أمام تجربة نزار مع الجمال والألم.. والدموع؟!

كيف يمر يوم ٣٠ أبريل دون أن نتذكر نزار قباني.. فمنذ ١٠ سنوات بالضبط، سكتت الكلمات بعد أن سكت القلب، وهدأت الشرايين، ليرحل عن عالمنا شاعر فذ عرف كيف يحفر لنفسه مكانًا متفردًا في التجربة الإبداعية العربية.

هذه الرحلة تحاول استدعاء نزار قباني بعد ١٠ سنوات علي رحيله.. استدعاء نزار الإنسان.. نزار التكوين.. نزار التجربة.. نزار الحب والهجرة والغربة.. وفي كل «نزار» قصة.. وقصيدة.. ودمعة حزينة!

«هذي دمشق وهذي الكأس والراح

إني أحب.. وبعض الحب ذباح

أنا الدمشقي.. لو شرحتمُ جسدي

لسال منه عناقيد وتفاح

ولو فتحتم شراييني بمديتكم

سمعتم في دمي أصوات من راحوا»

«هنا جذوري، هنا قلبي، هنا لغتي»، هنا في الشام حيث ولد نزار قباني، «كل أطفال العالم يقطعون لهم حبل مشيمتهم عندما يولدون إلا أنا.. فإن حبل مشيمتي لم يزل مشدودًا إلي رحم دمشق منذ ٢١ آذار (مارس) ١٩٢٣»، كان الربيع وقتها يستعد لفتح حقائبه الخضراء والعشب يتهيأ لغزو السهول والتلال، «الأرض وأمي حملتا في وقت واحد.. ووضعتا في وقت واحد».

ولمنزله البسيط العتيق في (مئذنة الشحم) بدمشق القديمة مكان كبير وعظيم في قلب نزار «هل تعرفون معني أن يسكن الإنسان في قارورة عطر؟ بيتنا كان تلك القارورة، كان اصطدامي بالجمال قدرًا يوميا،

كنت إذا تعثرت أتعثر بجناح حمامة.. وإذا سقطت أسقط علي حضن وردة، هذا البيت الدمشقي الجميل استحوذ علي كل مشاعري وأفقدني شهية الخروج إلي الزقاق، ومن هنا نشأ عندي هذا الحس البيتوتي الذي رافقني في كل مراحل حياتي».

وحيث كانت الأطفال تخرج لتلتقي وتلهو كان يجلس منزله الذي عشقه بكل كيانه وكذلك تحكي ابنته هدباء قباني: «كانت جدتي تدلله باسم «نزوري» وكان طفلاً ضائعًا بين أحواض الورد وبين عريشة الياسمين وأشجار الليمون والسفرجل ونافورة المياه الزرقاء في البيت، وهائمًا مع أراب الحمام والسنونو و«قطط البيت»، كان ضائعًا بين الجمال الذي ظل في أحلامه حتي آخر لحظات حياته وكتب يناجيه من مدريد:

«وأين رحات منزلنا الكبير.. وأين نعماه؟

وأين مدارج الشمشير.. تضحك في زواياه؟

وأين طفولتي فيه..

أجرجر ذيل قطته وآكل من عريشته

واقطف من (بنَفْشاه)..»

في منزله أيضًا تعلم أول حروف الوطنية علي يد والده توفيق قباني الذي كان أحد رواد المقاومة ضد الانتداب الفرنسي في سوريا آنذاك وطالما جمع الزعماء السياسيين في ايوان المنزل ليخطبوا في الناس، كما شهد هذا المنزل خطط الإضرابات والمظاهرات ووسائل المقاومة،

ولم يكن الطفل الواقف خلف الأبواب يسترق الهمسات بقادر علي فهم هذه الأمور حتي جاءت اللحظة التي أدرك فيها ما يجري عندما دخل عساكر السنغال - التابعون للجيش الفرنسي - في ساعات الفجر الأولي بيتهم بالبنادق والحراب ليأخذوا معهم أباه إلي المعتقل الصحراوي،

عندها: «عرفت أن أبي كان يمتهن عملاً آخر غير صناعة الحلويات كان يمتهن صناعة الحرية، فقد كان أبي يصنع الحلوي ويصنع الثورة وكنت أعجب بهذه الازدواجية فيه وأدهش كيف يستطيع أن يجمع بين الحلاوة وبين الضراوة».

درس نزار الحقوق إلا أنه لم يجد نفسه فيها «القضية الوحيدة التي ترافعت عنها هي الجمال والبريء الوحيد الذدي دافعت عنه هو الشعر»، كانت رحلته الأولي خارج دمشق هي الرحلة التي نقلت حياته من مجرد طالب بالحقوق إلي شاعر من أعظم شعراء العرب وأوائل رواد الشعر الحديث في سوريا والعالم العربي، «حين كانت طيور النورس تلمس الزبد الأبيض علي أغصان السفينة المبحرة من بيروت إلي إيطاليا في صيف ١٩٣٩

وفيما كان رفاق الرحلة من الطلاب والطالبات يضحكون ويتشمسون ويأخذون الصور التذكارية علي ظهر السفينة كنت أقف وحدي في مقدمتها أدمدم الكلمة الأولي من أول بيت شعر نظمته في حياتي.. وللمرة الأولي وفي سن السادسة عشرة وبعد رحلة طويلة في البحث عن نفسي نمت شاعرًا.» بعدها أصدر أول دواوينه «قالت لي السمراء» عام ١٩٤٤ وطبعه علي نفقته الخاصة بمساعدة والدته:

«قلبي كمنفضة الرماد.. أنا

إن تنبشي ما فيه.. تحترقي

شعري أنا قلبي.. ويظلمني

من لا يري قلبي علي الورق»

طلب من أستاذه بكلية الحقوق آنذاك منير العجلاني أن يقدم له ديوانه فكتب «وكأني أجد في طبيعتك الشاعرة روائح بودلير وفيرلين والبير سامان وغيرهم من أصحاب الشعر الرمزي والشعر النقي.. لا أسأل الله إلا شيئًا واحدًا أن تبقي كما أنت طفلاً يصور.. ويعشق كأنه ملاك يمشي علي الأرض ويعيش في السماء، ومن يدري لعل القدر يخبئ لنا فيك شاعرًا عالميا تسبح أشعاره من بلد إلي بلد وتمر من أمة إلي أمة».

وكان لانتحار أخته بسبب رفضها الزواج من رجل لا تحبه أثر عميق علي شعر نزار، «حين مشيت في جنازة أختي وأنا في الخامسة عشرة من عمري كان الحب يمشي إلي جانبي في الجنازة ويشد علي ذراعي ويبكي»،

ومنذ دخل نزار مملكة الشعر بديوانه الأول اصبحت حياته معركة دائمة لما ضمه هذا الديوان من تمرد وتغيير في شكل ومضمون القصيدة العربية المتوارثة حيث أدخل ألفاظًا وصورًا تناول من خلالها المرأة بأسلوب جديد وغير مألوف فقد هرب من القوالب الجامدة وقيود الشعر قائلاً: «مع اللغة لعبت بديمقراطية وروح رياضية لم أتفاصح ولم أتفلسف

ولم أغش بورق اللعب ولم أكسر زجاج اللغة، ولكنني مسحته بالماء والصابون ولم أخرق أوراق القاموس ولكنني قمت بعملية (تطبيع) بيني وبين الناس»، وعلي الرغم من أنه دعا إلي لغة شعرية بعيدة عن التعقيد والتعقيد إلا أنه أكد عدم الاستخفاف باللغة أو ضياعها أو استعارة العاميات بدلاً منها.

عمل بعد تخرجه دبلوماسيا في وزارة الخارجية السورية وسافر بعد ديوانه «قالت لي السمراء» للعمل في القاهرة التي تعلق بها أشد التعلق فكان يراها منارة الفن وواحة الشعر واستنكر عليها ما كتبه بعض النقاد والشيوخ عن شعره واصفين إياه بالإباحية واستجداء شهوات الشباب:

«تستبد الأحزان بي.. فأنادي

آه يا مصر من بني قحطان

تاجروا فيك.. ساوموك.. استباحوك..

وباعوك كاذبات الأماني

حبسوا الماء عن شفاه اليتامي

وأراقوه في شفاه الغواني

آه يا مصر.. كم تعانين منهم

والكبير الكبير.. دومًا يعاني

مِصرُ.. يا مِصرُ.. إن عشقي خطير

فاغفري لي إذا أضعت اتزاني»

ظل بالقاهرة حتي عام ١٩٤٩ سافر بعدها إلي لندن التي مكث فيها حتي ١٩٥٥ وكانت رحلة غربته الطويلة تنعكس علي شعره بشكل مباشر فتظهر مراحل التطور الشعري والفكري لنزار وكذلك تدعم مرارة الفقدان التي لازمت العاشق الدمشقي بدءًا من وفاة أبيه توفيق قباني:

«أبي .. يا أبي.. إن تاريخ طيب

وراءك يمشي، فلا تعتب

حملتك في صحو عيني حتي

تهيأ للناس أني أبي..

أشيلك حتي نبرة صوتي

فكيف ذهبت.. ولازلت بي؟

إذا فُلَّةُ الدار أعطت لدينا

ففي البيت ألف فمٍ مذهب

فتحنا لتموز أبوابنا

ففي الصيف، لابدُ، يأتي أبي»

وظل نزار يدافع عن شعره وعن فكرته التي يعبر بها عن رفضه قيود المجتمع الشرقي الذي يستعبد المرأة وينظر لها نظرة دونية ورد علي من اتهموه من المثقفين بحصر المرأة في زاوية جنسية وطالبوا بتكفيره قائلاً:

«يقول عني الأغبياء أني دخلت إلي مقاصر النساء وما خرجت

ويطالبون بنصب مشنقتي لأني عن شؤون حبيبتي شعرا كتبت

أنا لم أتاجر - مثل غيري - بالحشيش.. ولا سرقت ولا قتلت

لكنني أحببت في وضح النهار.. فهل تراني قد كفرت؟!»

واستمرت الهجمات علي نزار بل كادت أن تبلغ ذروتها عندما كتب في عام ١٩٥٤ قصيدته «خبز وحشيش وقمر» التي انتقد فيها النظام السوري والمعتقدات الدينية القديمة، وثار المجتمع السوري وطالبوهم أيضًا بتكفيره وناقشوا منع دخوله دمشق في البرلمان السوري ليكون بذلك أول شاعر تناقش أشعاره في البرلمان،

«ضربتني دمشق بالحجارة والبندورة والبيض الفاسد حين نشرت في عام ١٩٥٤ قصيدتي خبز وحشيش وقمر وكانت هذه القصيدة أول مواجهة بالسلاح الأبيض بيني وبين الخرافة»:

«ببلادي

ببلاد الأنبياء..

وبلاد البسطاء..

ماضغي التبغ وتجار الخدر..

ما الذي يفعله فينا القمر؟

فنضيع الكبرياء..

ونعيش لنستجدي السماء..

ما الذي عند السماء

لكسالي.. ضعفاء..

يستحيلون إلي موتي إذا عاش القمر..

ويهزون قبور الأولياء..

علَّها ترزقهم رزًا.. وأطفالاً..

قبور الأولياء»

طار نزار من لندن إلي مدريد التي غيرت مسار قصيدته الشعرية وقلبتها رأسًا علي عقب، «القصيدة العربية عندما وصلت إلي إسبانيا كانت مغطاة بقشرة كثيفة من الغبار الصحراوي.. وحين دخلت منطقة الماء والبرودة في جبال (سييرا نيفادا) وشواطئ نهر الوادي الكبير.. وتغلغلت في بساتين الزيتون وكروم العنب في سهول قرطبة، خلعت ملابسها وألقت نفسها في الماء، ومن هذا الاصطدام التاريخي بين الظمأ والري..

ولد الشعر الأندلسي.. هذا هو تفسيري الوحيد لهذا الانقلاب الجذري في القصيدة العربية حين سافرت إلي إسبانيا في القرن السابع، إنها بكل بساطة دخلت إلي قاعة مكيفة الهواء والموشحات الأندلسية ليست سوي (قصائد مكيفة الهواء) وكما حدث للقصيدة العربية في إسبانيا حدث لي.. امتلأت طفولتي رطوبة، وامتلأت دفاتري رطوبة، وامتلأت أبجديتي رطوبة».

عشق نزار كل ما وجده في إسبانيا، آثارها وحضارتها ورقصات الفلامنكو ومراوح الإسبانيات وجميلات إشبيلية وحتي مصارعة الثيران وشوارع غرناطة، وتحكي الكاتبة سلمي الحفار التي كانت تعيش وزوجها في مدريد في ذلك الوقت عن أثر إسبانيا في نزار: «كان في الأربعين من عمره إبان وجوده معنا فظهر تحول ملحوظ في شعره لتأثره بآثارنا فيها وفي الأندلس خاصة وانفتاحه علي ثقافات جديدة بل وحتي أسلوب مخاطبته المرأة»:

«إسبانيا..

جسر من البكاء..

يمتد بين الأرض والسماء..»

بقي نزار في الحقل الدبلوماسي متنقلاً ما بين القاهرة ولندن وبكين ومدريد إلي أن قرر الاستقالة في عام ١٩٦٦ ليتفرغ لرحلته في البحث عن الحب والجمال، ولكنه سرعان ما هزته أزمة ١٩٦٧ التي أحدثت شرخًا هائلاً في نفسه وكانت حدًا فاصلاً في حياته جعله يخرج من مخدع المرأة إلي ميدان السياسة:

«يا وطني الحزين

حوَّلتني بلحظةٍ

من شاعر يكتب شعر الحبِّ والحنين

لشاعرٍ يكتُبُ بالسكين..»

وأخرج ما بداخله من حزن وغضب في قصيدته «هوامش علي دفتر النكسة»:

«أنعي لكم، يا أصدقائي، اللغة القديمة

والكتب القديمة

أنعي لكم:

كلامنا المثقوب كالأحذية القديمة

ومفردات العهر، والهجاء، والشتيمة..

أنعي لكم..

أنعي لكم..

نهاية الفكر الذي قاد إلي الهزيمة»

ثارت عليه أقلام كثيرة في مصر تدعو بمنع دخول نزار قباني ومنع أغانيه في الإذاعة المصرية، مما أدهش نزار بشكل كبير:

«إذا خسرنا الحربَ، لا غرابة

لأننا ندخلها

بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة

بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة

لأننا ندخلها

بمنطق الطبلةِ والربابة..

السرُّ في مأساتنا

صراخنا أضخم من أصواتنا

وسيفنا..

أطول من قاماتنا..

كتب إلي الرئيس جمال عبدالناصر خطابًا يقول فيه: «نشرت في أعقاب النكسة قصيدة عنوانها (هوامش علي دفتر النكسة) أودعتها خلاصة ألمي وتمزقي وكشفت فيها عن مناطق الوجع في جسد أمتي العربية لاقتناعي بأن ما انتهينا إليه لا يعالج بالتواري والهروب وإنما بالمواجهة الكاملة لسيئاتنا ولعيوبنا.. وإذا كانت صرختي حادة وجارحة وأنا أعترف سلفًا بأنها كذلك، فإن الصرخة تكون في حجم الطعنة ولأن النزيف بمساحة الجرح...

يا سيادة الرئيس لا أريد أن أصدق أن مثلك يعاقب النازف علي نزيفه والمجروح علي جراحه ويسمح باضطهاد شاعر عربي يريد أن يكون شريفًا وشجاعاً في ظل مواجهة نفسه وأمته فدفع ثمن صدقه وشجاعته».

فحسم عبدالناصر الموقف إذ أصدر أوامره: «تلغي كل التدابير التي قد تكون اتخذت خطأ بحق الشاعر ومؤلفاته ويدخل إلي الجمهورية العربية المتحدة متي أراد ويكرم فيها كما كان في السابق».

ولم تحقق أقلام من هاجموا نزار أغراضها في إسكاته، بل دعمه موقف الرئيس إذ زاده حبًا واحترامًا لشخص عبدالناصر وكتب خلال الأعوام اللاحقة عدة قصائد عن النكسة:

«لو أننا لم ندفن الوحدة في التراب

لو لم نمزق جسمها الطري بالحراب

لو بَقيتْ في داخل العيون والأهداب

لما استباحت لحمنا الكلاب..»

في سبتمبر ١٩٧٠ جاءته صدمة وفاة الرئيس جمال عبدالناصر:

«قتلناك..

يا حبنا وهوانا..

وكنت الصديق، وكنت الصدوق،

وكنت أبانا..

وحين غسلنا يدينا..

اكتشفنا..

بأنا قتلنا منانا..

أنادي عليك.. أبا خالدٍ

وأعرف أني أنادي بواد

وأعرف أنك لن تستجيب

وأن الخوارق ليست تعاد»

كتب في رثائه الهرم الرابع، رسالة إلي جمال عبدالناصر ثم إليه في يوم ميلاده التي ألقيت في يناير في ذكري ميلاد القائد جمال عبدالناصر:

«أحبك.. لا تفسير عندي لصبوتي

أفسر ماذا؟ والهوي لا يفسرُ

تأخرتَ يا أغلي الرجال، فليلُنا

طويلٌ، وأضواء القناديل تسهرُ

تأخرتَ.. فالساعاتُ تأكل نفسها

وأيامنا في بعضها تتعثرُ

تضيق قبور الميتين بمن بها

وفي كلِّ يومٍ أنت في القبر تكبرُ»

كان فقدان عبدالناصر صدمة قومية كبري وقاسية بلغت أقصي مداها عند نزار قباني حملت معه مرارة الفقدان وأيقظت تجاربه في وجدانه، ولما كان نزار متزوجًا بابنة عمه زهراء وله منها هدباء وتوفيق الذي حجز له مكانًا للحزن في قلب أبيه عندما علم بمرضه بالقلب حتي توفي بنوبة قلبية فرثاه بقصيدته الشهيرة «الأمير الدمشقي توفيق قباني»:

«مكسرة كجفون أبيك هي الكلمات..

ومقصوصة، كجناح أبيك، هي المفردات

وماذا سأكتب يا ابني؟

وموتك ألغي جميع اللغات..

أتوفيق..

إني جبان أمام رثائك..

فارحم أباك...»

«مات ابني توفيق في لندن، توقف قلبه عن العمل كما يتوقف طائر النورس عن الضرب، عمره اثنتان وعشرون سنة، إن رحيل توفيق المفاجئ أكد لي حقيقة لم أكن أعرفها وهي أن الصغار أشجع منا وأكثر منا قدرة علي فهم طبيعة هذه الرحلة التي يسمونها الموت»

وتوالت الأحزان علي قلب نزار حين توفيت والدته بعد ثلاث سنوات من وفاة ابنه، وقد كانت معني العشق والحنان والصداقة في حياته، «بموت أمي.. يسقط آخر قميص صوف أغطي به جسدي آخر قميص حنان.. آخر مظلة مطر.. وفي الشتاء القادم.. ستجدونني أتجول في الشوارع عاريا.. فيا أمي يا حبيبتي. يا فائزة.. قولي للملائكة الذين كلفتهم بحراستي خمسين عامًا، أن لا يتركوني.. لأنني أخاف أن أنام وحدي...»

لم تبق له سوي بلقيس الراوي «الكنز العظيم الذي عثرت عليه مصادفة حين كنت أقدم أمسية شعرية في بغداد عام ١٩٦٢».

وقد لاقي طلب زواجه منها معارضة كبيرة من قبيلتها في العراق لما اشتهر به من حديثه الجريء عن المرأة وعن علاقاته العاطفية:

«تزوجتني.. رغم أنف القبيلة

وسافرت معي..

رغم أنف القبيلة..

وعندما كنت أسألها: لماذا؟

كانت تأخذني كالطفل إلي صدرها

وتتمتم:

«لأنك قبيلتي..»

وكانت بلقيس الراوي هي حبه الكبير والأخير وكما كانت قصة حبهما عنيفة كانت حادثة موتها في انفجار السفارة العراقية ببيروت أثناء الحرب اللبنانية عام ١٩٨١، «كنت في مكتبي بشارع الحمراء حين سمعت صوت انفجار زلزلني من الوريد إلي الوريد بعدها جاء من ينعي إلي الخبر.. السفارة العراقية نسفوها.. فقلت بتلقائية بلقيس راحت.. شظايا الكلمات مازالت داخل جسدي.. أحسست أن بلقيس سوف تحتجب عن الحياة إلي الأبد وتتركني في بيروت ومن حولي بقاياها، كانت بلقيس واحة حياتي وملاذي وهويتي وأقلامي».

رثي نزار زوجته وحبيبته بقصيدة بلقيس التي حمَّل فيها العالم العربي مسؤولية موتها:

«شكرًا لكم

شكرًا لكم

فحبيبتي قتلت.. وصار بوسعكم

أن تشربوا كأسًا علي قبر الشهيدة

وقصيدتي اغتيلت

وهل من أمة في الأرض

- إلا نحن - تغتال القصيدة؟!»

رفض الزواج من بعدها لأنها كانت حبه الحقيقي الكبير ولم يماثل حزنه عليها سوي حزنه علي بيروت والتي كتب لها ديوان «إلي بيروت الأنثي مع حبي»:

«آه يا بيروت.. يا أنثاي من بين ملايين النساء

يا رحيلاً برتقاليا علي وردٍ.. وبرقوقٍ.. وماء..

يا طموحي - عندما أكتب أشعاري - لتقريب السماء»

بكي فيه علي العروبة التي ظل طوال عمره الشعري يغني لها وكان شعره السياسي خارجًا علي كل قانون، تجاوز فيه كل الخطوط الحمراء، لم يتملق ولم يهادن ولم يغفر للوطن العربي مقتل بلقيس:

«كنت أعرف أنها سوف تقتل..

فكلنا - دون استثناء - موضوعون علي قائمة الطعام

في هذا الوطن الذي احترف أكل مواطنيه..

والغريب.. أنهم يطالبون قبل أن يأكلونا..

أن نغني النشيد الوطني!!

ونأخذ التحية العسكرية لرئيس المائدة

وللغارسونات الذين يحيطون به..

أي نشيد وطني؟.. أي وطن؟..

حين تكون جثة المواطن العربي

مدفونة في مكان ما..

بين معدة الحاكم العربي..

وبين مصرانه الغليظ..»

وبالشجاعة ذاتها والعروبة التي قرر منذ اللحظة الأولي في تاريخه الشعري الدفاع عنها دون تزييف أو تضليل كتب قصيدته الشهيرة «متي يعلنون وفاة العرب»:

«أنا.. بعد خمسين عامًا

أحاول تسجيل ما قد رأيت

رأيت شعوبًا تظن بأن رجال المباحث

أمر من اللّه.. مثل الصداع.. ومثل الزكام

ومثل الجزام.. ومثل الحرب

رأيت العروبة معروضة في مزاد الأثاث القديم..

ولكنني.. ما رأيت العرب!!..

بعدها تعرض لأزمة قلبية في لندن كادت تودي به «عندما فتحت عيني في غرفة الإنعاش في مستشفي سان توماس لم أصدق ما تراه عيني فقد كان الوطن العربي كله جالسًا قرب سريري يذرف الدموع ويشهد الله أن ما لقيته من عشق الناس كان فوق ما أتوقع وأن أمطار الحنان التي تساقطت علي سريري اللندني لم تكن مجرد نهر صغير بل طوفانا حملني علي ذراعيه وأوصلني إلي شاطئ السلامة».

وكان نزار قد قرر أن يكتب سيرته الذاتية بنفسه رافضًا أن يكتبها أحد غيره «أريد أن أكتب قصتي في الشعر قبل أن يكتبها أحد غيري، أريد أن أرسم وجهي بيدي إذ لا أحد يستطيع أن يرسم وجهي أحسن مني، أريد أن أكشف الستائر عن نفسي بنفسي قبل أن يقصني النقاد ويفصلوني علي هواهم، قبل أن يخترعوني من جديد».

أمضي آخر أيام حياته في لندن «بيتوتيا» كما وصف نفسه فلم يكتب الشعر علي المقاهي أو في الطرقات «لقد كنت أؤمن أن العمل الأدبي عمل من أعمال العبادة له طقوسه ومراسمه وطهارته» فقد كان يكتب أشعاره في غرفة مغلقة مسدلة الستائر عاش نزار قباني في كل رحلاته وأشعاره يحلم بالعودة إلي دمشق

وأن يصبح جزءًا من تاريخها، «وأخيرًا شرفتني مدينة دمشق بوضع اسمي علي شارع من أكثر شوارعها جمالاً ونضارة وخضرة، هذا الشارع الذي أهدته دمشق إلي هو هدية العمر، وهو أجمل بيت أمتلكه علي تراب الجنة».

وهكذا ردت دمشق إلي عاشقها بعض الحب الذي أعطاه لها وظل يعطيه لها حتي آخر لحظات حياته بل وحتي عند وفاته: «أدفن في دمشق، الرحم الذي علمني الشعر وعلمني الإبداع وأهداني أبجدية الياسمين»، كانت هذه وصيته بأن يعود إلي دمشق عشقه الأول:

«أعود إلي دمشق

ممتطيا صهوة سحابة

ممتطيا أجمل حصانين في الدنيا

حصان العشق

وحصان الشعر

وفي ٣٠ أبريل ١٩٩٨، توقف القلب عن الحياة معلنًا صمتًا أبديا لشاعر وصف نفسه : «إنني خلطة حرية» وعاد إلي دمشق ملفوفًا بالعلم السوري وروحه الشاعرة تحوم حول جثمانه:

«حملت شعري علي ظهري فأتعبني

ماذا من الشعر يبقي حين أرتاح

ألا تجلسين قليلا ؟

ألا تجلسين قليلا

ألا تجلسين ؟

فإن القضية أكبر منك . . وأكبر مني

كما تعلمين ..

وما كان بيني وبينك ..

لم يكن نقشا على وجه ماء

ولكنه كان شيئا كبيرا كبيرا

كهذي السماء

فكيف بلحظة ضعف

نريد اغتيال السماء؟

ألا تجلسين لخمس دقائق أخرى ؟

ففي القلب شيء كثير

وحزن كثير

وليس من السهل قتل العواطف في لحظات

وإلقاء حبك في سلة المهملات

فإن تراثنا من الحب .. والشعر . . والحزن ..

والخبز . . والملح . . والتبغ . . والذكريات

يحاصرنا من جميع الجهات

فليتك تفكرين قليلا بما تفعلين

فإن القضية

أكبر منك . . وأكبر مني

كما تعلمين

أنا لا أحوال رد القضاء

ولكنني أشعر الآن أن التشنج ليس علاجا

لما نحن فيه

وأن الحماقة ليست طريق اليقين

وأن الشئون الصغيرة بيني وبينك

ليست تموت بتلك السهوله

وأن المشاعر لا تتبدل مثل الثياب الجميله

أنا لا أحوال تغيير رأيك

إن القرار قرارك طبعا

ولكنني أشعر الآن أن جذورك تمتد في القلب

ذات الشمال ، وذات اليمين

فكيف نفك حصار العصافير، والبحر

والصيف .. والياسمين ..

وكيف نقص بثانيتين؟

شريطا غزلناه في عشرات السنين

سأسكب كأسا لنفسي

وأنت ؟

تذكرت أنك لا تشربين

أنا لست ضد رحيلك . . لكن

أكره أن السماء ملبدة بالغيوم

وأخشى عليك سقوط المطر

فماذا يضيرك لو تجلسين ؟

لحين انقطع المطر

وماذا يضيرك ؟

لو تضعين قليلا من الكحل فوق جفونك

أنت بكيت كثيرا

ومازال وجهك رغم اختلاط دموعك بالكحل

مثل القمر

أنا لست ضد رحيلك

لكن ..

لدي اقتراح بأن نقرأ الآن شيئا من الشعر

علَّ قليلا من الشعر يكسر هذا الضجر

تقولين إنك لا تعجبين بشعري ..

سأقبل هذا التحدي الجديد

بكل برود . . وكل صفاء

وأذكر

كم كنت تحتفلين بشعري

وتحتضين حروفي صباح مساء

وأضحك ..

من نزوات النساء ..

فليتك سيدتي تجلسين

فإن القضية أكبر منك . .وأكبر مني

كما تعلمين ..

أما زلت غضبى ؟

إذا سامحيني ..

فأنت حبيبة قلبي على أي حال

سأفرض أني تصرفت مثل جميع الرجال

ببعض الخشونه

وبعض الغرور

فهل ذاك يكفي لقطع جميع الجسور ؟

وإحراق كل الشجر ..

أنا لا أحوال رد القضاء ورد القدر

ولكني أشعر الآن ..

أن علاقتك من عصب القلب صعب

وإعدام حبك صعب

وعشقك صعب ..

وكرهك صعب ..

وقتلك حلم بعيد المنال ..

فلا تعلني الحرب ..

إن الجميلات لا تحترفن القتال

ولا تطيقي النار ذات اليمين ، وذات الشمال

ففي آخر الأمر

لن تستطيعي اغتيال جميع الرجال
------------------
نزار قباني

شكرا لحبك

شكراً لحبك
فهو معجزتي الأخيره..
بعدما ولى زمان المعجزات.
شكرا لحبك..
فهو علمني القراءة، والكتابه،
وهو زودني بأروع مفرداتي..
وهو الذي شطب النساء جميعهن .. بلحظه
واغتال أجمل ذكرياتي..
شكرا من الأعماق..
يا من جئت من كتب العبادة والصلاه
شكرا لخصرك، كيف جاء بحجم أحلامي، وحجم تصوراتي
ولوجهك المندس كالعصفور،
بين دفاتري ومذكراتي..
شكرا لأنك تسكنين قصائدي..
شكرا...
لأنك تجلسين على جميع أصابعي
شكرا لأنك في حياتي..
شكرا لحبك..
فهو أعطاني البشارة قبل كل المؤمنين
واختارني ملكا..
وتوجني..
وعمدني بماء الياسمين..
شكرا لحبك..
فهو أكرمني، وأدبني ، وعلمني علوم الأولين
واختصني، بسعادة الفردوس ، دون العالمين شكرا..
لأيام التسكع تحت أقواس الغمام، وماء تشرين الحزين
ولكل ساعات الضلال، وكل ساعات اليقين
شكرا لعينيك المسافرتين وحدهما..
إلى جزر البنفسج ، والحنين..
شكرا..
على كل السنين الذاهبات..
فإنها أحلى السنين..
شكرا لحبك..
فهو من أغلى وأوفى الأصدقاء
وهو الذي يبكي على صدري..
إذا بكت السماء
شكرا لحبك فهو مروحه..
وطاووس .. ونعناع .. وماء
وغمامة وردية مرت مصادفة بخط الاستواء...
وهو المفاجأة التي قد حار فيها الأصدقاء..
شكرا لشعرك .. شاغل الدنيا ..
وسارق كل غابات النخيل
شكرا لكل دقيقه..
سمحت بها عيناك في العمر البخيل
شكرا لساعات التهور، والتحدي،
واقتطاف المستحيل..
شكرا على سنوات حبك كلها..
بخريفها، وشتائها
وبغيمها، وبصحوها،
وتناقضات سمائها..
شكرا على زمن البكاء ، ومواسم السهر الطويل
شكرا على الحزن الجميل ..
شكرا على الحزن الجميل
----
نزار قباني

السيرة الذاتية لسياف عربى

1
أيها الناس:
لقد أصبحت سلطانا عليكم
فاكسروا أصنامكم بعد ضلال ، واعبدونى...
إننى لا أتجلى دائما..
فاجلسوا فوق رصيف الصبر، حتى تبصرونى
اتركوا أطفالكم من غير خبز
واتركوا نسوانكم من غير بعل .. واتبعونى
إحمدوا الله على نعمته
فلقد أرسلنى كى أكتب التاريخ،
والتاريخ لا يكتب دونى
إننى يوسف فى الحسن
ولم يخلق الخالق شعرا ذهبيا مثل شعرى
وجبينا نبويا كجبينى
وعيونى غابة من شجر الزيتون واللوز
فصلوا دائما كى يحفظ الله عيونى
أيها الناس:
أنا مجنون ليلى
فابعثوا زوجاتكم يحملن منى..
واعبثوا أزواجكم كى يشكرونى
شرف أن تأكلوا حنطة جسمى
شرف أن تقطفوا لوزى وتينى
شرف أن تشبهونى..
فأنا حادثة ما حدثت
منذ آلاف القرون..
2
أيها الناس:
أنا الأول والأعدل،
والأجمل من بين جميع الحاكمين
وأنا بدر الدجى، وبياض الياسمين
وأنا مخترع المشنقة الأولى، وخير المرسلين..
كلما فكرت أن أعتزل السلطة، ينهانى ضميرى
من ترى يحكم بعدى هؤلاء الطيبين؟
من سيشفى بعدى الأعرج، والأبرص، والأعمى..
ومن يحيى عظام الميتين؟
من ترى يخرج من معطفه ضوء القمر؟
من ترى يرسل للناس المطر؟
من ترى يجلدهم تسعين جلدة؟
من ترى يصلبهم فوق الشجر؟
من ترى يرغمهم أن يعيشوا كالبقر؟
ويموتوا كالبقر؟
كلما فكرت أن أتركهم
فاضت دموعى كغمامة..
وتوكلت على "لا الله" ...
وقررت أن أركب الشعب..
من الآن.. الى يوم القيامه..
3
أيها الناس:
أنا أملككم
كما أملك خيلى .. وعبيدى
وأنا أمشى عليكم مثلما أمشى على سجاد قصرى
فاسجدوا لى فى قيامى
واسجدوا لى فى قعودى
أولم أعثر عليكم ذات يوم
بين أوراق جدودى ؟؟
حاذروا أن تقرأوا أى كتاب
فأنا أقرأ عنكم..
حاذروا أن تكتبوا أى خطاب
فأنا أكتب عنكم..
حاذروا أن تسمعوا فيروز بالسر
فإنى بنواياكم عليم
حاذروا أن تدخلوا القبر بلا إذنى
فهذا عندنا إثم عظيم
والزموا الصمت، إذا كلمتكم
فكلامى هو قرآن كريم..
4
أيها الناس:
أنا مهديكم ، فانتظرونى
ودمى ينبض فى قلب الدوالى، فاشربونى
أوقفوا كل الأناشيد التى ينشدها الأطفال
فى حب الوطن
فأنا صرت الوطن.
إننى الواحد، والخالد ما بين جميع الكائنات
وأنا المخزون فى ذاكرة التفاح، والناى،
وزرق الأغنيات
إرفعوا فوق الميادين تصاويرى
وغطونى بغيم الكلمات
واخطبوا لى أصغر الزوجات سناً..
فأنا لست أشيخ..
جسدى ليس يشيخ..
وسجونى لا تشيخ..
وجهاز القمع فى مملكتى ليس يشيخ..
أيها الناس:
أنا الحجاج إن أنزع قناعى تعرفونى
وأنا جنكيز خان جئتكم..
بحرابى .. وكلابى.. وسجونى
لاتضيقوا - أيها الناس - ببطشى
فأنا أقتل كى لاتقتلونى....
وأنا أشنق كى لا تشنقونى..
وأنا أدفنكم فى ذلك القبر الجماعى
لكيلا تدفونى..
5
أيها الناس :
اشتروا لى صحفا تكتب عنى
إنها معروضة مثل البغايا فى الشوارع
إشتروا لى ورقا أخضر مصقولاً كأشعاب الربيع
ومدادا .. ومطابع
كل شىء يشترى فى عصرنا .. حتى الأصابع..
إشتروا فاكهة الفكر .. وخلوها أمامى
واطبخوا لى شاعرا،
واجعلوه، بين أطباق طعامى..
أنا أمى.. وعندى عقدة مما يقول الشعراء
فاشتروا لى شعراء يتغنون بحسنى..
واجعلونى نجم كل الأغلفة
فنجوم الرقص والمسرح ليسوا أبدا أجمل منى
فأنا، بالعملة الصعبة، أشرى ما أريد
أشترى ديوان بشار بن برد
وشفاه المتنبى، وأناشيد لبيد..
فالملايين التى فى بيت مال المسلمين
هى ميراث قديم لأبى
فخذوا من ذهبى
واكتبوا فى أمهات الكتب
أن عصرى عصر هارون الرشيد...
6
يا جماهير بلادى:
ياجماهير الشعوب العربية
إننى روح نقى جاء كى يغسلكم من غبار الجاهلية
سجلوا صوتى على أشرطة
إن صوتى أخضر الايقاع كالنافورة الأندلسية
صورونى باسما مثل الجيوكندا
ووديعا مثل وجه المجدلية
صورونى...
وأنا أفترس الشعر بأسنانى..
وأمتص دماء الأبجدية
صورونى
بوقارى وجلالى،
وعصاى العسكرية
صورونى..
عندما أصطاد وعلا أو غزالا
صورونى..
عندما أحملكم فوق أكتافى لدار الأبدية
يا جماهير الشعوب العربية...
7
أيها الناس:
أنا المسئول عن أحلامكم إذ تحلمون..
وأنا المسئول عن كل رغيف تأكلون
وعن العشر الذى - من خلف ظهرى - تقرأون
فجهاز الأمن فى قصرى يوافينى
بأخبار العصافير .. وأخبار السنابل
ويوافينى بما يحدث فى بطن الحوامل
أيها الناس: أنا سجانكم
وأنا مسجونكم.. فلتعذرونى
إننى المنفى فى داخل قصرى
لا أرى شمسا، ولا نجما، ولا زهرة دفلى
منذ أن جئت الى السلطة طفلا
ورجال السيرك يلتفون حولى
واحد ينفخ ناياً..
واحد يضرب طبلا
واحد يمسح جوخاً .. واحد يمسح نعلا..
منذ أن جئت الى السلطة طفلا..
لم يقل لى مستشار القصر (كلا)
لم يقل لى وزرائى أبدا لفظة (كلا)
لم يقل لى سفرائى أبدا فى الوجه (كلا)
لم تقل إحدى نسائى فى سرير الحب (كلا)
إنهم قد علمونى أن أرى نفسى إلها
وأرى الشعب من الشرفة رملا..
فاعذرونى إن تحولت لهولاكو جديد
أنا لم أقتل لوجه القتل يوما..
إنما أقتلكم .. كى أتسلى..